فوزي آل سيف
104
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
هلم لنرَ الامتحان الثالث: ها نحن في معركة الأحزاب والخندق التي وصف أجواءها القرآن الكريم في سورة سميت باسمها (إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (*) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (*) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (*) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).[309]في هذه المعركة التي طال وقتها ثلاثة أسابيع من الحصار فرضه نحو عشرة آلاف مقاتل من الأحزاب ومعهم عدو داخلي شرس هو اليهود الذين كان يدلون الكفار على ثغرات المدينة وعوراتها ويتآمرون من الداخل، ووصل الأمر إلى أن زاغت الأبصار فلا تركيز لها في النظر وبلغت القلوب الحناجر من الخوف! وتتدخل الإرادة الإلهية بالنصر فتحرك الريح والجنود الغير المرئيين، ولكن النبي صلى الله عليه وآله يحتاج إلى من يقتحم خطوط العدو حتى يتعرف إلى خططهم وما يريدون فعله، فمن يقوم بذلك؟ من هو الذي يدخل في فم السبع فلا يخاف ويكون ذكياً فلا يقنص؟ إذ لا مجال لتوجيهه خطوة بخطوة؟ ها هو حُذَيْفَةَ يقص تلك المهمة، فيقول: إنَّ النّاسَ تَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، لَيْلَةَ الأحْزابِ فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا نَفَرٌ، فَأتانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، وأنا نائِمٌ فَقالَ: «انْطَلِقْ إلى عَسْكَرِ الأحْزابِ فانْظُرْ»، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما قُمْتُ إلَيْكَ إلّا حَياءً مِنَ البَرْدِ أوْ قالَ: مِن شِدَّةِ البَرْدِ، فَقالَ: «انْطَلِقْ»، فانْطَلَقْتُ حَتّى آتِيَ عَسْكَرَهُمْ، فَوَجَدْتُ أبا سُفْيانَ يُوقِدُ النّارَ يُصْلِي ظَهْرَهُ فِي عَصَبَةٍ حَوْلَهُ، وقَدْ تَفَرَّقَ الأحْزابُ عَنْهُ فَجِئْتُ حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَهُمْ فَحَسَّ أبُو سُفْيانَ، أنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِيهِمْ مَن غَيْرِهِمْ فَقالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنكُمْ بِيَدِ جَلِيسِهِ فَضَرَبْتُ بِيَدِي عَلى الَّذِي عَلى يَمِينِي فَأخَذْتُ بِيَدِهِ، ثُمَّ ضَرَبْتُ بِيَدِي عَلى الَّذِي عَلى يَسارِي، فَأخَذْتُ بِيَدِهِ، فَلَبِثْتُ هُنَيْهَةً ثُمَّ قُمْتُ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، وهُوَ يُصَلِّي، فَأوْمَأ إلَيَّ أنِ ادْنُ، فَدَنَوْتُ مِنهُ حَتّى أرْسَلَ إلَيَّ مِنَ الثَّوْبِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ لِيُدَفِّئَنِي فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ: «يا ابْنَ اليَمانِ، اقْعُدْ ما خَبَرُ النّاسِ»؟، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَفَرَّقَ النّاسُ عَنْ أبِي سُفْيانَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا فِي عَصَبَةٍ تُوقِدُ النّارَ وقَدْ صَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ البَرْدِ مِثْلَ الَّذِي صَبَّ عَلَيْنا فَألْقى عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله ثَوْبَهُ فَنِمْتُ.."[310]. وإذا كانت معركة الأحزاب قد كشفت بشكل اجمالي صفات المنافقين ومعسكرهم من خلال خوفهم وتراجعهم مما نزلت به سورة الأحزاب والتوبة تلك السورة الفاضحة فذكرت صفاتهم وأقوالهم، حتى لقد قال بعضهم لبعض لن أتكلم بشيء فلو تكلمت لأنزل الله على محمد خبر ما قلته حرفا بحرف! إلا أن المعركة القادمة في تبوك هي التي ستضع النقاط على الحروف، فلن يكتفى فيها بنقل أقوالهم مثل: (مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)[311]وأحوالهم حيث أنه (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ)[312]لكن لم تنزل سورة فيها أسماء المنافقين، ولا يوجد إخبار صريح من النبي صلى الله عليه وآله عن أسمائهم، ولكن يستطيع الانسان أن يتبين تيار المنافقين ومواقفهم بل وحتى يخمن
--> 309 ) الأحزاب: 9ـ 12 310 ) مسند البزار = البحر الزخار ٧/٣١٧ — البزار، أبو بكر 311 ) التوبة: 49 312 ) التوبة: 81